أحمد بن علي القلقشندي

247

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الذي أتوه به وقال له : أتعقل ؟ قال : إنّي لعاقل . فقال : انظر إلى السماء ونجومها ، فنظر ، ثم قال : انظر إلى نيران العرب ، فنظر ، فقال له : ما أكثر ؟ نجوم السماء أو نيران العرب ؟ فقال : إنّ كلَّا منها لكثير ، قال : إنك إذا لعاقل ، ثم دفع إليه حنظلة وصرّة فيها رمل وصرّة فيها شوك ، وقال : اذهب إلى قومي فادفع إليهم هذه الحنظلة وهاتين الصّرّتين ، وقل لهم يعروا ناقتي الحمراء ، ويرحلوا جملي الأورق ، وسلوا أخي الأعور يخبركم الخبر . فقال الحاضرون : ليس في هذا ما ينكر ، اذهب في حاجته ، فذهب إلى بني العنبر ودفع إليهم ذلك وقصّ عليهم القصّة ورجع ، فبعث القوم إلى أخيه الأعور فحضر ، فأخبروه الخبر . فقال : إنه يقول : أتاكم بنو حنظلة في عدّ الشّوك والرّمل ، وإنّ نيران العرب تعادّ نجوم السماء ، ويأمركم أن ترحلوا عن الدّهناء وانزلوا مكان كذا ، ففعلوا ورحلوا لوقتهم فصبّحهم بنو حنظلة فلم يدركوا منهم أحدا . وفي معنى ذلك ما حكاه المقرّ الشّهابيّ ( 1 ) بن فضل اللَّه في كتابه « التعريف » ، في الكلام على المكاتبة إلى الأذفونش ( 2 ) ملك الفرنج بطليطلة من بلاد الأندلس ، كان خبيث النية ، سيّيء المقاصد لأهل الإسلام ، وأنه ( 3 ) أرسل مرّة إلى الملك الناصر محمد ( 4 ) بن قلاوون ، صاحب الديار المصرية

--> ( 1 ) هو القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يحيى بن فضل اللَّه القرشي العدوي العمري ، صاحب « مسالك الأبصار في ممالك الأمصار » . كان إماما فاضلا بليغا ، أحد المشاهير من الكتّاب المترسّلين ، وإمام وقته في معرفة الممالك والمسالك . ولد بدمشق سنة 700 ه ، وتوفي سنة 749 ه . انظر فوات الوفيات ( ج 1 ص 157 - 161 ) ، والدرر الكامنة ( ج 1 ص 331 - 333 ) ، والنجوم الزاهرة ( ج 10 ص 334 ) ، والرد الوافر ص 81 والأعلام ( ج 1 ص 268 ) . ( 2 ) هو وارث ملك لذريق Rodrigo ؛ كان ممن قوي طمعه في بلاد مصر والشام في أخريات أيام الفاطميين ، وكان صاحب السطوة ، وكانت طليطلة كرسي ملكه . انظر التعريف بالمصطلح الشريف ص 60 - 63 . ( 3 ) في التعريف ص 63 : « أهدي مرة إلى السلطان سيفا طويلا وثوبا بندقيّا وطارقة طويلة رقيقة الخ » . ( 4 ) هو أبو الفتح الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون . ولد سنة 684 ه ، وولي سلطنة مصر - والشام عقب قتل أخيه الأشرف سنة 693 ه ، وعمره تسع سنين ، فخلع منها سنة 694 ه ، لصغر سنّه ، ثم أعيد إليها سنة 698 ه ، ولكنه بقي في القلعة محجورا عليه بحيث انحضرت الأعمال في يد الإستدار بيبرس ، فأظهر العزم على الحجّ وترك السلطنة ، فقدم الكرك وظل فيها مدة ، ثم قدم دمشق ، وهيّا نفسه لدخول مصر فدخلها وقتل بيبرس بيده خمقا وعاد إلى عرشه سنة 709 ه ، فاستمرّ في الحكم إلى أن توفي سنة 741 ه . انظر فوات الوفيات ( ج 4 ص 45 - 36 ) ، والبداية والنهاية ( ج 14 ص 51 - 55 ، 190 ) ، والدرر الكامنة ( ج 4 ص 144 - 148 ) ، والنجوم الزاهرة ( ج 8 ص 41 ، 115 ) و ( ج 9 ص 3 ) والأعلام ( ج 7 ص 11 ) .